الاثنين، 15 يوليو 2013

الرحمة.. بقلم المنفلوطي




كتب المنفلوطي عام 1907 م كتاب التراحم عن " الرحمة" فأبدع، شأنه فى ذلك شأن أعماله الأدبية التي تنوعت ما بين الإسلاميات، والنقد الاجتماعي، والسياسة، فضلاً عن مجموعاته القصصية القصيرة، وصياغاته لعدد من الروايات المترجمة، قال:

"لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا مغبون ولا مهضوم

.. ولأقفرت الجفون من المدامع .. ولاطمأنت الجنوب فى المضاجع .. ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام .

لو وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم.. وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.

لقد بليت اللذات كلها .. ورثت حبالها .. وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد .. ولم يبق ما يعزي الإنسان عنها إلا لذة واحدة: هي لذة الإحسان.

أيها الرجل السعيد: كن رحيما ، أشعر قلبك بالرحمة ، ليكن قلبك الرحمة بعينها.

ستقول : إني غير سعيد ، لأن بين جنبي قلبا يلم به من الهم ما يلم بغيره من القلوب، أجل، ولكن اطعم الجائع واكس العاري، وعز المحزون، وفرج كربة المكروب، يكن لك من هذا المجموع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام .

ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فتبتسم سرورا ببكائك .. واغتباطا بدموعك، لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور .. تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء : إنك انسان .

إن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها، أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبه رأيت حجرا صلدا من أحجار الجرانيت لا ينبض بقطرة من الرحمة .. ولا تخلص إليه نسمة من العظة .

فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله أن تكون واحدا من هؤلاء فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية .. بل أعظك ألا تدنو من واحد منهم أو تعترض طريقه .. فربما بدا أن يأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك .

أيها الإنسان ارحم الأرملة التى مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار.

ارحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها ولا تشتر منها عرضها علها تعجز من أن تجد مساوما يساومها فيه فتعود به سالما إلى بيتها .

ارحم الزوجة لأن الله قد وكل أمرها إليك وما كان لك أن تكذب ثقته بك .

ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك إن لم تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين .

ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجرا تربح فيه ليكون من الخاسرين .

ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين .

ارحم الطير لا تحبسها فى أقفاصها ودعها تهيم فى فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير .

أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء